الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
207
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
خاصة - يكون نابعا من أمر وجودي ، أي أن يوجد الظلمة المطلقة في ظروف خاصة لهدف معين ، لابد أن يكون قد استعمل لذلك وسائل وجودية ، فإذا أردنا أن نجعل الغرفة مظلمة لتحميض صورة - مثلا - فعلينا أن نمنع النور لكي تحصل الظلمة في تلك اللحظة المعينة ، وظلمة هذا شأنها ظلمة مخلوقة ( مخلوقة بالتبع ) . وإذا لم يكن ( العدم المطلق ) مخلوقا ، فإن ( العدم الخاص ) له نصيب من الوجود ، وهو مخلوق . 3 النور رمز الوحدة ، والظلمة رمز التشتت : الأمر الآخر الذي ينبغي الالتفات إليه هنا هو أن لفظة ( نور ) ترد في القرآن بصيغة المفرد ، بينما الظلمة تأتي بصيغة الجمع ( ظلمات ) . وقد يكون هذا إشارة لطيفة إلى حقيقة كون الظلام ( المادي والمعنوي ) مصدرا دائما للتشتت والانفصال والتباعد ، بينما النور رمز التوحد والتجمع . طالما شاهدنا أننا في الليلة الصيفية الظلماء نوقد سراجا في فناء الدار ، ثم لا تمضي إلا دقائق حتى نرى مختلف أنواع الحشرات تتجمع حول السراج مؤلفة تجمعا حيا حول النور ، ولكننا إذا أطفأنا السراج تفرقت الحشرات كل إلى جهة ، كذلك الحال في الشؤون المعنوية والاجتماعية . فنور العلم والقرآن والإيمان أساس الوحدة ، وظلام الجهل والكفر والنفاق أساس التفرق والتشتت . قلنا : إن هذه السورة تسعى إلى لفت نظر الإنسان إلى العالم الكبير لتثبيت قواعد عبادة الله والتوحيد في القلوب ، توجه نظره أولا إلى العالم الكبير ، والآية التالية تلفت نظره إلى العالم الصغير ( الإنسان ) فتشير إلى أعجب أمر ، وهو خلقه من الطين فتقول هو الذي خلقكم من طين . صحيح أننا ولدنا من أبوينا ، لا من الطين ، ولكن بما أن خلق الإنسان الأول كان من الطين ، فيصح أن نخاطب نحن أيضا على أننا مخلوقين من الطين . وتستمر السورة فتشير إلى مراحل تكامل عمر الإنسان فتقول : إن الله بعد ذلك عين مدة يقضها الإنسان على هذه الأرض للنمو والتكامل : ثم قضى أجلا .